savants                     main

 

أرباب النوابل

نصارعبدالله

 الحوار المتمدن - العدد: 1512 - 2006 / 4 / 6  

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=1066&aid=61514

 

للقراء الأعزاء الذين ربما يستعصى عليهم فهم المقصود بالعنوان سالف الذكر، لهؤلاء القراء الأعزاء أقول بأن تعبير"أرباب النوابل" يقصد به أولئك الذين سبق لهم الحصول على جائزة نوبل! ..

(أولئك الذين انضم إليهم الدكتور محمد البرادعى منذ شهور بحصوله على الجائزة فى مجال السلام مناصفة مع وكالة الطاقة الذرية ليقفز النصيب المحسوب على مصر إلى أربع شخصيات ) ...

والمتأمل للحاصلين على الجائزة من المصريين يكتشف أنهم جميعا يجمع بينهم سمتان مشتركتان أساسيتان هما فى الواقع نفس السمتين المشتركتين اللتين تجمعان بين أغلب أرباب نوبل على مدى الخمسين عاما الماضية ، (وهى الخمسون عاما التى بدأت تتشكل فيها معايير معينة للحصول على الجائزة لم تكن موجودة، أو بالأحرى لم تكن واضحة فى نصف القرن السابق من تاريخ عمر الجائزة التى تبلغ الآن من العمر ما يزيد قليلا على قرن كامل من الزمان)،

وأول هذه السمات بداهة هى النبوغ والإنجاز المتميز فى أحد المجالات التى تمنح فيها الجائزة، أما السمة الثانية التى بدأت تتزايد أهميتها فى الخمسين عاما الماضية فهى أن يكون الحاصل على الجائزة محل الرضاء والتقدير من منظور الثقافة الغربية، أو على الأقل ألا يكون محل غضب وسخط تلك الثقافة، وبوجه خاص جدا ألا يكون موضع سخط أو غضب من إسرائيل! ....

إذا نظرنا إلى أرباب النوابل من المصريين وجدنا أنهم جميعا يتسمون بالسمتين سالفتى الذكر: النبوغ أوالإنجاز المتميز من ناحية ، ثم المباركة أو على الأقل عدم الإعتراض الإسرائيلى من ناحية أخرى، غير أن القول بأنهم يتسمون بهاتين السمتين لا يعنى إطلاقا أنهم جميعا يتسمون بهما بنفس القدر،

وعلى سبيل المثال فهناك من يشككون فى أن أنور السادات كان يتسم بأى قدر من النبوغ أصلا، حيث كانت تحكمه فى قراراته المصيرية مجرد تلك الغرائز البدائية التى نلمسها لدى بعض أنواع الكائنات الحية ، وهى ذاتها تلك الغرائز التى تحكم إنسانا قرويا ينتمى تاريخيا إلى قاع المجتمع أو إلى ما هو قريب من القاع ، والتى تدفع بمثل هذا الإنسان بشكل فطرى إلى محاولة الفرار بنفسه وشعبه من أية قوة تبدو أمامه داهمة كبرى، كما تدفعه بشكل فطرى كذلك إلى أن يسعى لكى يصبح هو فى نفس الوقت شخصية دولية تسلط عليها الأضواء بعد أن عانى طويلا فى حياته من شعوره بأنه كم مهمل!! ، وقد توافق هذا النوع من التفكير الفطرى ـ ربما بالمصادفة ـ مع ما يستهدفه نمط آخر من التفكير المحسوب والمخطط ونعنى به التفكير الأمريكى والإسرائيلى ،

ونتيجة لهذا التوافق استحق السادات بذلك جائزة نوبل للسلام مناصفة مع مناحم بيجين عام 1978، وقد كانت تلك الجائزة بالذات واحدة من أعجب الأعاجيب فى تاريخ الجائزة حيث حصل عليها فى مجال السلام ـ نعم فى مجال السلام ـ حصل عليها إرهابيان عريقان: أحدهما إرهابى تائب وهو أنور السادات الذى سبق له أن شارك فى صدر حياته فى تنظيم الحرس الحديدى وهو ذلك التنظيم الذى كان مكلفا بالقيام ببعض الإغتيالات السياسية لحساب القصر الملكى ، وقد شارك أنور السادات بالفعل فى اغتيال المغفور له أمين عثمان (وإن كان من غير المؤكد أنه قد قام بهذا الإغتيال لحساب الملك فاروق أم لحساب بعض التيارات المتطرفة فى الحركة الوطنية المصرية)، كما شارك فيما يرجح البعض فى محاولة اغتيال مصطفى النحاس التى لم يقدر لها النجاح ،

أما الإرهابى الآخر مناحم بيجن، فإنه لم يتوقف عن الإرهاب قط بل إنه على العكس من ذلك فقد مضى بعد فوزه بجائزة السلام، مضى قدما فى طريق الإرهاب، حيث قام أحد حلفائه فى تكتل الليكود وهو أريئيل شارون بارتكاب أبشع مجزرة فى تاريخ الصراع العربىالإسرائيلى تم فيها ذبح أكثر من ألفين من المدنيين الفلسطينيين فى مخيم صبرا وشاتيلا !!، ...

ومن ناحية ثانية فإن القول بأن أرباب النوابل يتمتعون جميعا بالسمة الثانية وهى الرضاء الأمريكى والإسرائيلى عنهم ، القول بهذا لا يعنى إطلاقا أن أمريكا أو إسرائيل ترضى عنهم جميعا بنفس القدر ، ففى مقدمة الذين يتمتعون بهذا الرضاء هو أنور السادات نفسه الذى يعده الكثيرون من الأمريكيين والإسرائيليين بطلا قوميا ، فى حين تتباين وجهات نظر أبناء شعبه إليه، ويمكن القول دون تجاوز كبير إن الكثيرين من أبناء شعبه يعدونه خائنا، وهو ما دفع ببعض الإسلاميين المتطرفين إلى اغتياله وأن يصفوا هذا الإغتيال بأنه تنفيذ لحكم شرعى يوجب إعدام السادات وجميع من هم على شاكلته !!،

ثم يأتى بعد السادات فى قائمة الرضاء الأمريكى، يأتى العالم المصرى الأصل والأمريكى الجنسية أحمد زويل،

ومسيرة زويل نحو الحصول على نوبل معروفة للجميع منذ قبوله لذلك الشرط الغريب الذىاشترطته أمانة جائزة وولف للعلوم (الممولة أمريكيا)، وهوألا تمنح الجائزة إلا لمن يقبل أن يحضر بنفسه حفل تكريمه فى إسرائيل!! ، ...

ورغم غرابة هذا الشرط فإن المرء لا يحتاج إلى جهد على الإطلاق لكى يتبين أنه ينطوى على رسالة واضحة ومحددة لسائرالعلماء العرب، (بالنسبة للعلماء غيرالعرب لا توجد مشكلة تحول بينهم وبين الحضور المطلوب خاصة وأن أغلبهم لا يعرفون التفاصيل الحقيقية لذلك التاريخ الدموى البشع الذى تم من خلاله انتزاع الأرض العربية وذبح أصحابها أو طردهم لكى تقوم دولة إسرائيل)،

إنها رسالة واضحة تقول للعلماء العرب أو للعلماء ذوى الأصل العربى :ـ " نريدكم أن تحضروا حفل تكريمكم فى البيت الذى اغتصبناه منكم ومن ذويكم ثم جعلناه قلعة من قلاع العلم ، نريدكم أن تحضروا لكى يكون هذا مباركة ضمنية من جانبكم لما فعلناه، واعترافا منكم برسالتنا الحضارية فى النهوض بالعلم والتكنولوجيا، وبالتالى إقرارا من جانبكم لحقنا أن نعيش فى بيتنا الجديد فى سلام بدلا من أولئك الحثالة المتخلفين الذين ما زالوا يتربصون بنا على الأبواب ويهددون أمننا وسلامنا،

ونعود إلى أحمد زويل الذى وجد نفسه فى عام 1992 فى مواجهة ذلك الشرط الذى اشترطه معهد وولف، ولا نقول إنه حينذاك قد وقع فى الفخ الصهيونى لأنه أذكى من أن يقع فى فخ، فضلا عن أن العرض لم يكن فخا!، ولكنه كان أقرب ما يكون إلى الصفقة التى تقول بوضوح: ـ

إذا أبديت حماسك لحضور حفل التكريم فى إسرائيل فسوف تحصل على الجائزة ، وأهم من هذا سوف ينفتح أمامك الباب لجوائز أكبر (نوبل مثلا)، وكل ما هو لازم لذلك هو قدر معقول من النبوغ وهذا متحقق، ثم قدر لا محدود من الحماس للذهاب لإسرائيل وهذا مطلوب ومأمول ، وإياك إياك أن تفعل ما يفعله بعض الحمقى أو الخونة من الأمريكيين من أمثال ناعوم تشومسكى أو إدوارد سعيد الذين يدينون إسرائيل بمناسبة وبغير مناسبة بدعوى انتهاكها لأبسط مقتضيات الحق والعدل، إياك إياك .. فإن هذا كفيل بإغلاق كل أبواب المستقبل المشرق فى وجهك"...

وهكذا يمكن القول بأن أحمد زويل بمسلكه هذا، يمثل الإسم التالى مباشرة لأنور السادات فيما يتعلق بالنجاح فى اجتلاب الرضاء الأمريكى والإسرائيلى ،

أما الإسم الثالث فى ترتيب الرضاء الأمريكى فهو محمد البرادعى الذى يقتضى الإنصاف منا أن نقول بأنه قد حاول قدر الإمكان أن يحل تلك المعادلة الصعبة المتمثلة فى إيجاد مصداقية ما لوكالة معينة تابعة للأمم المتحدة التى يفترض فيها أنها تمثل المجتمع الدولى بأسره دون إغضاب القوة العظمى فى العالم ونعنى بها الولايات المتحدة الأمريكية ، غير أن مثل هذه المعادلة الصعبة قد أثبتت أنها عمليا غير قابلة للحل ، وأنه لا مناص لمن يشغل موقعا كبيرا فى الأمم المتحدة من أن يدور فى فلك الولايات المتحدة الأمريكية حتى لو كان ما يقدمه هو الحد الأدنى لما تقبل به أمريكا من موظف تعده عمليا واحدا من موظفيها لا من موظفى المنظمة الدولية ،

ثم يأتى بعد ذلك أقل المصريين الحاصلين على نوبل تمتعا بالرضاء الأمريكى والإسرائيلى رغم أنه ـ وياللمفارقة ـ أكثرهم عبقرية ونبوغا (إن لم يكن هو العبقرى الحقيقى الوحيد بينهم) ونعنى به نجيب محفوظ الذى كان جديرا بالفوز بالجائزة قبل ثلاثين عاما على الأقل من فوزه الفعلى بها ، حيث فاز نجيب محفوظ بعد أن سبقه إلى الفوز أدباء لا تصل قامتهم فى أفضل الحالات إلى مستوى ركبتيه ،

وقد كان من الممكن أن يستمر تجاهل الجائزة لنجيب محفوظ نتيجة لمواقفه الوطنية التقدمية المعادية للظلم والعنصرية ، لولا أنه أيد مبادرة السادات فقدم بذلك لأمانة الجائزة قشة تتعلق بها هى لا هو، وتحاول من خلالها أن تستعيد جزءا من مصداقيتها المفقودة ،

ومع هذا فإنه من باب الإنصاف لنجيب محفوظ أن نقول أن تأييده لمبادرة السادات لم يكن محاولة منه لمغازلة أمانة الجائزة ومن يقفون وراءها ولكنه كان ـ على الأرجح ـ اجتهادا منه قائما على قراءة الواقع الذى يقول بأن الوقت ليس فى صالح الأمة العربية وأن عدم استرداد سيناء فى الوقت الراهن سوف يجعل استردادها فى المستقبل أكثر صعوبة فى ظل واقع عربى شديد التمزق والتفكك ، وهو اجتهاد يمكن أن نختلف معه فيه أو نتفق ، لكننا ينبغى أن نضعه فى إطاره الطبيعى وهو أنه اجتهاد محض ، وليس سعيا إلى جائزة يدرك جميع المتخصصين فى الأدب أنه كان أكبر منها بكثير ،

وما دمنا نتكلم هنا عن أرباب النوابل فإنه قد يكون من المناسب أن أقول إن أكثر ما صدمنى أثناء حملة الإنتخابات الرئاسية الأخيرة فى مصر هو قيام بعض الكتاب فى عدد من الصحف المصرية بترشيح أحمد زويل لرئاسة مصر، ثم عودة هؤلاء الكتاب أنفسهم بالدعوة إلى ترشيح محمد البرادعى رئيسا بعد حصوله على نوبل وانضمامه إلى أرباب النوابل!!

والحقيقة أننى لن يدهشنى إطلاقا أن يحصل آرييل شارون نفسه أو دونالد رامسفيلد يوما ما على جائزة نوبل للسلام ، غير أن الذى ربما سيدهشنى هو ما قد يكتبه هؤلاء الكتاب المصريون الشباب الذين عودونا على المفاجآت ،..ربما يدهشوننى لو أنهم رشحوا شارون أو رامسفيلد بهذه المناسبة لكى يكون رئيسا لمصر!!، بعد أن فعلوا نفس الشىء مع أحمد زويل ومحمد البرادعى، والإسمان كلاهما من طينة واحدة، وإن كان أحمد زويل هو المثال الأسوأ لتلك الطينة.