خواطر                    Main

 

 

ساعات وسنوات

 

كان ماهر تلميذا نبيها في سنوات الدراسة الأولى .. لم يرسب مرة واحدة ولو حتى في إمتحان صغير ولم يأخذ أي درس خصوصي على مدى امتداد سنوات دراسته .. لكن أحدا لم يلتفت إلى نباهته لكثرة عدد التلاميذ ولإنشغال المدرسين في أحوالهم الخاصة وسعيهم وراء الرزق. كان ماهر يعيش في مدينة أسيوط مع والده حافظ الذي يعمل مهندسا كيميائيا في أحد المؤسسات الصناعية الكبرى وكان أخوه حامد يكبره بخمس سنوات.

نجح ماهر في شهادة الثانوية العامة بتفوق مذهل لم يكن يتوقعه أحد حتى هو نفسه .. ووجد نفسه أمام إختيار صعب للغاية .. أي كلية يدخل؟ .. هل يدخل كلية الطب أم الهندسة؟

ذهب ماهر إلى أبيه طالبا المشورة والنصح .. فطلب منه والده أن يمهله أياما قليلة ليستشير أصحابه من ذوي الخبرة والحكمة.

بعد أيام قليلة قال الأب لإبنه ماهر .. يا بني لقد استشرت أصحابي فقالوا لي أن هناك كلية جديدة أنشأت في القاهرة تحت الرعاية المشتركة للحكومة المصرية وإحدى الدول الأوروبية العريقة .. وإسمها كلية العلوم الأوروبية المصرية .. وهي لا تقبل إلا الطلبة المتفوقين أو النابغين بعد أن تعقد لهم إختبارات خاصة .. وهي كلية مجانية أنشأت بمعونة أوروبية لرعاية تلاميذ مصر الموهوبين .. فما هو رأيك؟

قال ماهر لوالده .. لك ما ترى يا أبي .. ولكن أين سأعيش في القاهرة .. وهل تستطيع أن تتحمل نفقات معيشتي ودراستي في القاهرة؟

قال الأب حافظ لإبنه .. لقد إتصلت بعمك محسن في القاهرة وأنت تعلم أنه يعمل مستشارا كبيرا في وزارة العدل وبيته واسع وفسيح وقد أبدى رغبة شديدة في أن يرعاك طوال فترة دراستك بالقاهرة لأنه كما تعلم يحبك كثيرا منذ صغرك.

سافر ماهر إلى القاهرة وفي جيبه جنيهات قليلة واستقر في بيت عمه محسن بمدينة نصر الذي رحب به هو وامرأة عمه ترحيبا كبيرا وأشعروه أنه في بيته منذ اللحظة الأولى مما جعله يشعر بالإرتياح والطمأنينة.

وفي بيت عمه إلتقى ماهر بإبنة عمه زيزي لأول مرة وفوجئ بأنها في مثل عمره تقريبا وأنها نجحت هي الأخرى في الثانوية العامة وقررت دخول كلية الآداب مع كثير من صديقاتها .. قائلة أن الموضة هذا العام هي كلية الآداب!

ذهب ماهر إلى كليته الجديدة وقدم أوراقه فحددوا له موعدا لإجراء إمتحانات وإختبارات القبول وهي تشمل جميع الإختبارات الطبية والعلمية والشخصية.

ظهرت نتيجة الإختبارات بعد أسابع قليلة وفوجئ ماهر بأنه في لائحة المتفوقين وأن إسمه في أعلى قائمة المقبولين بالكلية.

وصل لماهر خطاب من الكلية بأنه يجب أن ينتظم في الحضور إلى الكلية قبل موعد الدراسة الرسمي بأسبوعين لإستلام الكتب والمراجع وللتعرف على نظم وقواعد الدراسة وقوانين الجزاء والعقاب ومخطط التعليم وجدول الحصص ولمعرفة أماكن المحاضرات والمعامل والمكتبة والتعرف على أساتذته وزملائه وذلك من خلال بعض المحاضرات والندوات التمهيدية.

في هذين الأسبوعين علم فتحي أن التعليم التقني والفني والمخطط الدراسي داخل الكلية تقع جميعها تحت الإشراف المباشر للأساتذة والخبراء الأوربيون .. بينما الإدارة وتنظيم شئون الطلبة يقعان بالكامل تحت إشراف الأساتذة والإداريين المصريين.

بدأ ماهر دراسته في كليته الجديدة في الموعد المقرر تماما .. وفي صباح اليوم الأول بدأت أولى المحاضرات في موعدها تماما وكان المدرس الأوروبي في إنتظار الطلبة داخل قاعة المحاضرات وبدأ على الفور في شرح بداية المنهج المقرر بجدية تامة وصمت وسكون ومتابعة من الطلبة .. لأنهم كانوا قد علموا منذ البداية أن أي تأخير عن ميعاد بدأ أي محاضرة أو أي تهريج أو محاولة لتعطيل الدراسة بأي صورة من صور التسيب أو الإهمال ستقابل بعقاب صارم قد يصل إلى الفصل من الكلية.

عاد ماهر من الكلية حوالي الساعة الخامسة والنصف مساءا وهو يشعر بأن رأسه انتفخت من كثرة ما دخل بها من معلومات في يومه الأول من الدراسة .. استقبلته زوجة عمه وقالت له بإشفاق .. إنت جعان يا ماهر؟

قال لها ماهر .. نعم يا عمتي إنني جائع ومتعب جدا.

قالت زوجة عمه: إنت إتأخرت في الكلية كده ليه .. دي زيزي بنت عمك جائت حوالي الساعة الثانية ظهرا.

قال ماهر: هي دي مواعيد الدراسة في الكلية يا عمتي .. من الثامنة صباحا حتى الرابعة والنصف بعد الظهر .. دون أي تأخير أو تعطيل .. ويتخللها ساعة ونصف للراحة موزعة على اليوم كله.

قالت زوجة عمه: يا خويا .. دي تبقى كلية صعب قوي .. يعني مفيش لعب أبدا؟

قال ماهر: هناك لعب ياعمتي .. فبعد الخامسة مساء وحتى الساعة التاسعة ليلا هناك أنشطة رياضية وثقافية متنوعة وهناك ندوات وقاعات مختلفة لمن يريد أن يمارس أي نوع من الهوايات المحببة إليه .. أو حتى لمن يريد أن يستزيد من دراسته التخصصية.

قالت زوجة عمه: واللـه دي حاجة كويسة خالص.

نام ماهر لمدة ساعتين .. وصحا بعدها وهو يشعر بأنه أحسن حالا وأن رأسه هدأت وأنه صافي الذهن .. وعندما خرج من غرفته وجد إبنة عمه زيزي تشاهد التليفزيون .. التي ما أن رأته حتى بادرته قائلة .. هيه صح النوم!

إبتسم لها ماهر وقال: أنا نمت شوية لأني كنت تعبان جدا. فقالت زيزي: يابني دا إنت نمت ولا أهل الكهف .. ياللا تعالى إتفرج شوية على التمثيلية! قال ماهر باندهاش شديد .. أتفرج على إيه؟ دا أنا ورايا واجبات يدوبك أخلصها بعد نص الليل .. هو إنتي ما وراكيش واجبات؟ ضحكت زيزي ضحكة عالية وقالت: واجبات إيه يابني .. هو إحنا خدنا حاجة خالص .. يدوبك إتعرفنا على بعض .. وأنا وشلة البنات قعدنا في الكافتريا عشان نعرف مين الجديدة فينا ونشوف حنعمل إيه بعد كده.

قال ماهر باستغراب: يعني ما خدتوش محاضرات خالص؟ قالت زيزي .. محاضرات إيه .. بقولك ما حدش من المدرسين جه خالص لأنهم عارفين إن الأسبوع الأول بيبقى كله تعارف وعشان كمان نعرف مكان المحاضرات فين.

قال ماهر.. طيب عرفتي جدول الحصص بتاعك؟ قالت زيزي .. لأ طبعا لأنه ماتعلقش من أصله! قال ماهر .. طيب إستلمتي الكتب والمذكرات؟ قالت زيزي .. لأ لأنهم قالو لنا أن الأساتذة ستقوم بطبع الكتب ثم بيعها للطلبة بعد ذلك في وسط التيرم!

قال ماهر .. يعني من الآخر كده .. إنتي ما درستيش حاجة النهاردة .. فردت زيزي قائلة .. بصراحة .. لأ ما درسناش حاجة.

رجع ماهر إلى غرفته وسهر يعمل على إنهاء واجباته  ثم ضبط المنبه على الساعة السادسة صباحا لأنه كان يريد أن يكون في كليته الساعة الثامنة إلا ربعا قبل موعد بدء المحاضرات وإلا تعرض لعقاب شديد.

عاد ماهر من كليته في نفس ميعاد الأمس ونام كما نام بالأمس و صحا ليعمل في غرفته على إنهاء واجبات اليوم الثاني للدراسة .. وفي حوالي الساعة التاسعة مساء سمع طرقا على الباب فقال .. أدخل. دخلت زوجة عمه وقالت له .. مش كفاية مذاكرة دلوقتي .. تعالى أقعد معانا شوية علشان تشرب شاي وتغير جو. قال ماهر .. حاضر يا عمتي .. وقام معها وجلس في غرفة الجلوس الواسعة حيث كانت زيزي تتابع فيلما عاطفيا يعرض في التليفزيون. بعد قليل .. ويبدو أنها كانت تعليمات من أمها .. قالت زيزي لماهر .. ماذا تريد أن تأكل على العشاء؟ قال ماهر .. أي حاجة .. الموجود يفي بالغرض .. قالت زيزي بنبرة جادة .. مافيش غير فول .. قال ماهر وهو ينظر إليها متخوفا .. هو الفول وحش .. دا أنا حتى بحبه موت! دخلت زيزي إلى المطبخ وهي تبتسم دون أن يلاحظ ماهر ذلك .. ثم عادت بعد قليل وبيدها طبقا كبيرا من الجبنة البيضاء بالطماطم والفلفل والزيت والليمون ووضعته أمام ماهر مع أربعة أرغفة من العيش.

نظر ماهر إلى طبق الجبنة بالطماطم وهو في دهشة شديدة لأن هذا هو طعام العشاء الذي يفضله دوما عندما كان في بيت أبيه في أسيوط .. فقال لزيزي .. أمال فين الفول .. قالت زيزي .. زي بعضه بقى .. عشان إنت صعبت عليه .. بس أوعى تتعود على كده .. ثم ابتسمت. أدرك ماهر أن إبنة عمه تداعبه وتعاكسه فبدأ يأنس لها وقال .. لكن إنتي إيش عرفك إني بحب طبق الجبنة بالطماطم؟ قالت زيزي .. مراة عمي حافظ هي اللي فتنت عليك!

سارت الحياة بماهر على هذا المنوال لشهور .. وفي كل يوم يزادا قلبه قربا وتعلقا بزيزي .. شاعرا في الوقت نفسه أن زيزي تبادله نفس الشعور وإن كانا لم يفصحا علنا لبعضهما بهذه الأحاسيس التي بدأت تدغدغ قلبيهما الأخضرين البريئين.

ظهرت نتيجة إمتحانات ماهر لعامه الدراسي الأول .. وأبلغه أساتذته بأنه حصل على أعلى الدرجات وأن ترتيبه هو الأول على دفعته بإجماع كل الأساتذة خاصة وأن نتيجة كل إمتحان نهائي شفهي كانت تذاع فورا لكل مادة على حدة. فرح ماهر فرحا شديدا وسارع بإخبار عمه محسن ثم أبيه حافظ في أسيوط. لكن عندما أعلنت النتيجة بصورة رسمية في الكلية فوجئ ماهر بأن إسمه مقيد على أنه السادس على دفعته وأن هناك خمسة من زملائه المغمورين يسبقونه في الترتيب العام. إنزعج ماهر بشدة وذهب على الفور إلى رئيس قسمه وهو أستاذ أوروبي كبير وكان يحب ماهر وسأله عن ترتيبه الفعلي .. فقال له رئيس القسم .. إنك الأول علميا على دفعتك وقد أبلغنا إدارة الكلية بذلك ولا نعلم أسباب ترحيلك إلى السادس على الدفعة!

ذهب ماهر إلى الأستاذ تقي الدين وهو أحد المشرفين الإداريين وهو من مدينة أسيوط وكان يعلم بانه صديق لوالده وسأله عن أسباب ترحيله إلى السادس على الدفعة .. فقال له الأستاذ تقي الدين .. إن السبب المعلن لذلك هو أنك حصلت على درجات سلوك وانضباط أقل بكثير من الخمسة الأوائل .. فقال ماهر بانفعال شديد .. لكني لم أفعل أي مخالفة إنضباطية ولو صغيرة والجميع يشهدون بذلك .. طأطأ الأستاذ تقي الدين رأسه حزنا وقال .. أعلم ذلك يا بني .. ولكنك لا زلت صغير السن ولا تعرف الكثير من وقائع الحياة المريرة .. ستعلم كل شيئ عندما تكبر وأنصحك ألا تنظر ورائك وتقبل ما يقوله أساتذتك لك!

تقبل ماهر الأمر الواقع على مضض وسارت به الحياة داخل الكلية وهو يشعر بمرارة الظلم والإحباط .. وبذل جهدا جبارا للحفاظ على تفوقه وسط ما اشتمه من روائح التعصب الكريهة.

في العام الثالث لماهر داخل الكلية .. تخرج أخيه حامد من كلية الطب واستلم مهام وظيفته في أحد مستشفيات أسيوط المعروفة .. وكان حامد قد سمع من أخيه ماهر عن جمال زيزي إبنة عمهما وعن ظرفها وأخلاقها الحميدة. إنتهز حامد أول أجازة طويلة له وسارع بالسفر إلى القاهرة لزيارة عمه محسن وهو يضمر في نفسه أن يشاهد زيزي وأن يتودد إليها. وبالفعل ما أن شاهد حامد زيزي حتى أحس أنها سيطرت على مشاعره .. فما كان منه إلا أن طلبها للزواج من عمه وزوجة عمه .. ولقد كان في ذلك مندفعا أشد الإندفاع.

فرح المستشار محسن وزوجته بهذا الطلب المفاجئ أيما فرح .. وتبادلا الآراء فيما بينهما وقالت زوجته .. هو إحنا حنلاقي منين عريس لزيزي أحسن من حامد .. شاب وطبيب ومن عائلة محترمة ونعرف أصله وفصله وهو بمثابة إبن لنا. ثم صارحا زيزي بهذا الطلب المفاجئ وقالا لها أنهما يباركانه ويرغبان في تلبية طلب حامد .. وكان حامد قد انتهز كل فرصة للتودد والتقرب إلى زيزي وأغرقها بالهدايا والوعود الوردية. تحت كل هذه الإغراءات المفاجئة والسريعة وتحت إلحاح والديها لم تجد زيزي مفرا من قبول خطبة إبن عمها الأكبر حامد.

في حفل عائلي بسيط .. تغيب عنه ماهر .. قدم حامد شبكته المتواضعة لزيزي وأصبح خطيبها رسميا .. وكان يخرج معها للتنزه مع بعض الأقارب كلما سنحت الفرصة لذلك.

شعر ماهر المسكين بأن قلبه قد سحق وبدون أي سبب بكى بكاء حارا ومرض بشدة لعدة أيام وكان يذهب لكليته شارد العقل محطم الفؤاد دون أن يشعر به إي إنسان. ووجد نفسه لا يستطيع العودة إلى بيت عمه محسن .. فاستأجر غرفة متواضعة في أحد فنادق الدرجة الثالثة وبات فيها لعدة أيام وبدأ ما معه من مال ينفذ بسرعة كبيرة .. فلجأ إلى الأستاذ تقي الدين صديق والده وطلب منه أن يساعده في الحصول على وظيفة ليلية بأحد الشركات حتى يستطيع تدبير نفقات معيشته ودراسته في القاهرة. وبالفعل إستطاع صديق والده أن يجد له وظيفة في أحد الشركات المحترمة بمرتب مقبول يفي باحتياجات ماهر الأساسية.

غير ماهر مكان إقامته ووجد غرفة مفروشة في شقة مع مجموعة من زملاء الدراسة المغتربين .. وإن كان قد آثر ألا يدخل معهم في علاقة صداقة وطيدة.

وفي أحد الأيام فوجئ ماهر بأن أخيه حامد ينتظره خارج الكلية بعد إنتهاء الدراسة .. فصحبة إلى أحد الأماكن العامة .. وقال حامد لأخيه الأصغر ماهر.. أرجو أن تصارحني .. هل تحب زيزي؟ إندهش ماهر لهذا السؤال المفاجئ والغير متوقع .. صمت ماهر لبرهة ثم قال لحامد .. وما الذي دعاك أن تسألني هذا السؤال؟ قال حامد .. لا شيئ .. ولكني أردت أن أعرف فقط! قال ماهر .. ولماذا لم تسألني هذا السؤال من قبل أن تتقدم لخطبة زيزي؟ .. قال حامد بعصبية .. إذن أنت تحب زيزي! قال ماهر .. ليس من حقي الإجابة على هذا السؤال خاصة أنها خطيبتك وعما قليل ستتزوجان. قال حامد دون أن يفقد إنفعاله .. وهل زيزي تحبك؟ قال ماهر .. رويدك يا أخي .. من أين لي أعلم بذلك .. ولم لا تسألها هي .. وإذا كانت تحبني .. فلم وافقت على خطبتك لها؟ يا أخي أنا أنصحك أن تحسن معاملة خطيبتك فهي إبنة عمنا وصاحبة معروف علينا وتستحق أن نعاملها باللين والحسنى. قام حامد منصرفا دون حتى كلمة وداع أو سلام لأخيه ماهر المسكين ودون أن يسأله إن كان بحاجة إلى مساعدة من أي نوع.

إنشغل ماهر في دراسته وفي عمله الليلي وشعر أن وطأة الحياة بدأت تطحنه وهو في الحادي والعشرين من عمره .. وفي أحد الأيام إستدعاه مدير الشركة الحاج رضوان وطلب منه أن الإعداد لحفل عشاء سيحضره بعض رجال الأعمال .. فامتثل ماهر للأمر .. وفي حفل العشاء كان ماهر يشرف على سير إجراءات الحفل .. إلى أن إلتقى بإحدى البنات وكانت في حوالي السابعة عشر من عمرها وبادرته قائلة .. إنت مين .. أنا ما شفتكش هنا قبل كده؟  أنا إسمي ماهر ولا أعمل هنا إلا في الفترة المسائية فقط .. وانتي مين؟ أنا منى بنت الحاج رضوان مدير الشركة. قال ماهر .. أهلا وسهلا بيكي يا فندم .. هل تأمرين بشيئ؟ قالت منى بتردد شديد .. لا لا أريد شيئا! قال ماهر .. عن إذنك .. ثم انصرف رغم شعوره الخفي بأنها لا تريده أن ينصرف!

ترددت منى كثيرا بعد ذلك على مكتب والدها في الفترة المسائية بحجج مختلفة .. وكانت تكلف ماهر أحيانا بأشياء تخصها .. فأحس ماهر بأن منى تأتي للعمل كي تقابله وتراه .. فبدأ يميل إليها ولكن بحذر شديد .. خاصة أن قلبه كان لا يزال يدمي من جرح زيزي إبنة عمه.

عندما أحست منى أن ماهر بدأ يتعلق بها وأنه بات ينتظر حضورها للمكتب بفارغ الصبر ثم لهفته كلما رآها .. بدأت تقلل من زياراتها لمكتب أبيها تدريجيا .. مما دفع ماهر أن يسأل ويتحرى أين تسكن وأين تذهب ومن هم أصدقائها؟ وعندما علم ماهر عن الأماكن التي تذهب إليها منى مع صديقاتها البنات .. بدأ يتردد أحيانا على نفس هذه الأماكن طمعا في رؤيتها أو التحدث إليها. كانت تقابله أحيانا أو تتحدث إليه لكنها عندما تأكدت من حبه لها بدأت تثير الغيرة في قلبه بالتحدث إلى بعض الشبان الأغنياء الذين لا يستطيع ماهر أن ينافسهم في المال أو الجاه .. فكان ماهر يشعر بألم دفين في أعماقه لقصر ذات يده.

نجح ماهر في نهاية عامه الثالث بالكلية بتفوق عظيم مما دفع إدارة الكلية إلى إلحاقه بالقسم "الخاص" .. وهو قسم يضم خلاصة الطلبة من المتفوقين والنابغين والذين يتلقون تعليما إضافيا متطورا في سبيل حصولهم على درجتي الماجيستير والدكتوراة تمهيدا لتعينهم كأعضاء في هيئة التدريس بعد تخرجهم .. ثم كان أن حصل ماهر على مزيدا من التكريم باختياره لأحد أهم أقسام الكلية ضمن مجموعة صغيرة من الطلبة عددها خمسة أفراد فقط .. وكان من ضمن هؤلاء الخمسة الطالب شاهين إبن عميد الكلية وهو طالب متوسط الذكاء ومتوسط القدرات ولكن المشرفين الإداريين دفعوه دفعا إلى هذا المركز المتقدم جدا إكراما لوالده عميد الكلية وبصرف النظر عن تقديراته العلمية الحقيقية. كان عميد الكلية يفخر دائما بماهر ويقول في جميع المناسبات أن ماهر له عقلية فذة وأنه سيصنع المعجزات عندما يكبر ويمارس حياته العملية.

بدأ العام الرابع .. وبدأ طلاب القسم الخاص في تلقي دروسهم المتطورة من الأساتذة الأوروبيون .. وشعر الطلبة بمدى ثقل المناهج الجديدة وصعوبتها وكان عليهم بذل المزيد من البحث والدراسة حتى يدركوا ويفهموا عناصر تلك المناهج المتطورة .. وأحس شاهين بأنه غير قادر على إستيعاب هذه العناصر الصعبة فلجأ لماهر باعتباره أحد أفراد مجموعته وهو الأكثر فهما وإدراكا لهذه العلوم الجديدة .. رحب ماهر بشاهين وحاول مساعدته على قدر استطاعته مما أتاح لشاهين أن يرى عن قرب كيف يفكر ماهر وما هي قدراته العقلية والعلمية الحقيقية .. فهاله الفارق الشاسع بينه وبين ماهر مما جعله يشعر بغيرة شديدة وحسد تجاه ماهر. وما أن قارب العام الدراسي على الإنتهاء حتى علم الجميع بأن ماهر أصبح مرشحا ليكون الأول على دفعته التي تضم شاهين إبن عميد الكلية .. فهل تسمح إدارة الكلية بذلك؟

في يوم من الأيام إستدعى مدير الكلية المساعد الطالب ماهر إلى مكتبه .. فذهب ماهر إليه وهو لا يعرف سببا لهذا الإستدعاء المفاجئ .. وقال له المدير المساعد .. أنت متهم بارتكابك لمخالفات إدارية جسيمة وخطيرة أبلغ عنها عدد من المشرفين الإداريين .. ثم عدد له خمسة من هذه الإتهامات الخطيرة .. صعق ماهر لهذا الإفتراء الفاضح وقال للمدير المساعد وهو شاحب اللون .. ولكن يا سيدي لم يصدر عني أي شيئ من ذلك .. قال المدير المساعد صائحا بصوت عالي .. أتتهمني بأني كاذب .. هذه جريمة أخرى من جرائمك .. لذلك عليك أن تنتظر عرضك على مجلس الكلية للبت في أمرك!

بعد أيام قليلة تم عرض ماهر على مجلس الكلية وكلهم من الأساتذة والإداريين المصريين .. وقرروا بالإجماع حرمان ماهر من أداء الأمتحانات النهائية لهذا العام .. وتأخيره عاما كاملا على أن ينضم إلى طلبة الفرقة الثالثة الصاعدة للرابعة مع بدأ العام الدراسي الجديد .. ثم أصدر مجلس الكلية ملحقا لهذا القرار ينص على أن هذا الجزاء هو عقاب إداري ولا يتسبب عنه فصل ماهر من القسم الخاص مع الإحتفاظ له بجميع درجاته العلمية السابقة التي حصل عليها في جميع مراحل دراساته!!

بكى ماهر بكاءا شديدا وأحس بمدى قسوة الحياة عليه .. حاول الإنتحار لكنه فشل .. مرض مرضا شديدا .. إنطوى على نفسه وحبس نفسه في غرفته وامتنع عن رؤية أحد مما يعرفهم لمدة عام كامل .. كان يذهب للكلية فقط لحضور المحاضرات مع زملائه الجدد الذين كانوا يتجنبونه .. وكان هو يشعر بغربة شديدة بينهم. في هذه الأثناء ذهب ماهر إلى رئيس قسمه الأستاذ الأوروبي المرموق وحكى له فجيعته فقال له الأستاذ .. نعم نحن نعلم جميعا بما حدث وشعرنا ببالغ الإستياء والغضب ولكنا نرى أمورا تحدث هنا في مصر لا نعرف لها معنى أو هدف .. وكل ما أنصحك به هو أنه عليك بالصبر والمثابرة.

أحست منى بغياب ماهر عنها .. خاصة أنها علمت بغيابه عن العمل لدى والدها أيضا .. فأخذت تسأل عنه حتى علمت بفجيعته في كليته .. فأشفقت عليه أيما إشفاق وأحست بحبها الشديد له وبكت بحرقة لسوء معاملتها له .. وحاولت أن تقابله عدة مرات .. ولكن هيهات فقد أغلق ماهر كل الأبواب عليه ولم يرغب في مقابلة كائنا من كان .. حتى أسيوط إمتنع عن السفر إليها!

بعد عامين من الحبس الإنفرادي الذاتي تخرج ماهر من الكلية بتفوق كبير وكان ترتيبه الثامن على دفعته الجديدة وحصل على منحة تفرغ لمدة عام كامل للحصول على الماجيستير بعد أن تم تعيينه معيدا بالكلية.

في هذه الأثناء كان زملاؤه في الدفعة القديمة ومنهم شاهين قد سافروا لأوروبا للحصول على درجة الدكتوراة بعد أن حصلوا على الماجيستير بعد إنتهاء عام التفرغ.

وفي أحد الأيام طلبت وزارة التعليم العالي مسيرا تعليميا تفصيليا من كافة الكليات لمختلف الجامعات المصرية سواء كانت مصرية أو أجنبية .. لمناقشته في إجتماع هام .. فذهب مدير شئون الطلبة وذهب معه رئيس الأساتذة الأوروبيين لحضور هذا الإجتماع الهام.

طلب الرئيس الأعلى للجامعات من مدير شئون الطلبة شرح المسير التعليمي للكلية على وجه العموم .. فقدم مدير شئون الطلبه زميله رئيس الأساتذة الأوربيين تكريما له الذي بادر قائلا:

إن عدد ساعات الدراسة الإجبارية والفعلية بالكلية هي 7 ساعات يوميا .. منها خمس ساعات دراسات نظرية وساعتان دراسات عملية .. هذا بخلاف الساعات الإضافية للدراسة والتي تعتبر دراسات إختيارية.

والدراسة في الكلية موزعة على فصليين دراسيين في العام الواحد .. كل فصل مدته 21 أسبوع دراسة صافية .. وبذلك يكون عدد الأيام الفعلية التي يتلقى فيها الطالب دراسات حقيقية طوال العام هي 252 يوما .. ويكون عدد ساعات الدراسة الفعلية والحقيقية طوال العام هي 1764 ساعة دراسية .. وحيث أن مدة الدراسة بالكلية هي عشرة فصول دراسية أو خمسة أعوام زمنية .. فإن مجموع عدد ساعات الدراسة الفعلية للطالب الواحد طوال فترة تعليمه بالكلية وبافتراض عدم رسوبه في أي مادة هي .. 8820 ساعة دراسية حقيقية .. وإذا أضفنا لها عدد ساعات الإمتحانات والإختبارات النظرية والعملية .. يصبح إجمالي عدد ساعات الدراسة للطالب الواحد 10000 عشرة آلاف ساعة طوال فترة دراسته بالكلية وبافتراض عدم رسوبه في أي مادة .. أما بخصوص مخطط الدراسات العليا فهو كالآتي:

إذا أمضى طالب الدراسات العليا عدد 800 ساعة دراسية كاملة ثم اجتاز بنجاح تام جميع الإختبارات النظرية والعملية .. يحصل الطالب على درجة دبلوم الدراسات العليا في تخصصه .. وإذا أمضى طالب الدراسات العليا عدد 1600 ساعة دراسية كاملة ثم اجتاز بنجاح تام جميع الإختبارات النظرية والعملية يحصل الطالب على درجة الماجيستير في تخصصه .. أما درجة الدكتوراة فهناك أحد أختيارين:

الإختيار الأول .. أن يمضي الطالب 2000 ساعة دراسية كاملة وأن يجتاز بنجاح تام جميع الإختبارات النظرية والعملية .. يحق له بعدها الحصول على درجة الدكتوراة.

الإختيار الثاني .. أن يكون حاصلا على درجة الماجيستير .. ثم يقدم بحثا مبتكرا يقدم فيه إضافة علمية جديدة .. نظرية وعملية .. في مجال تخصصه لم يسبقه فيها أحدا من قبل .. في هذه الحالة فقط يحصل الطالب على درجة الدكتوراة فورا دون التقيد بأي دراسات إضافية.

أما عن تفاصيل نوعية وكمية وجودة مواد الدراسة المختلفة فأنا أرفقها بالتقرير المقدم من إدارة الكلية حرصا على الوقت الثمين للحضور الكرام.

أطبق الحضور في صمت طويل بعد سماعهم لهذا البيان قبل أن يقول رئيس المجلس الأعلى .. فليتفضل أحد رؤساء الكليات المناظرة بشرح مخطط الدراسة في كليته:

إنقضى وقت طويل قبل أن يقوم أحد الأساتذة الأفاضل ممثلا لأحد الكليات العملية وتفضل قائلا .. الدراسة في كليتنا مدتها خمس سنوات .. كل سنة فيها ثلاث شهور أجازة ما بين أجازة نص السنة وأجازة آخر السنة .. غير الأعياد والمواسم وأيام الجمع .. ثم تفضل جالسا!

قال رئيس المجلس .. لكنك يا سيدي لم تحدد عدد أيام الدراسة الفعلية في السنة الواحدة أو عدد ساعات الدراسة الفعلية في اليوم الواحد وكم منها نظري وكم منها عملي .. وما هو مخطط الدراسات العليا لديكم؟

بعد برهة طويلة .. وقف الأستاذ مرة أخرى وقال .. أنا حسبتها كده بسرعة .. ولقيت إن عدد أيام الدراسة الفعلية في السنة الواحدة هو 180 يوم .. وإن عدد ساعات الدراسة الفعلية في اليوم الواحد هو 5 ساعات .. منها أربع ساعات نظري وساعة واحدة عملي .. أما الدراسات العليا فتختلف من قسم لقسم طبقا للقواعد التي يضعها رئيس القسم لكل حالة على حدة!!

هنا صاح أحد الحضور قائلا .. أستاذنا الفاضل .. هل أنت تضمن فعلا أن جميع طلبتك يتلقون ساعة واحدة عمليا وأربع ساعات نظرية كل يوم طوال ستة أيام في الأسبوع؟  وهل عندك مسيرات مطبوعة وموقعة من المدرسين بذلك؟

لم يعلق الأستاذ على هذا الصياح .. وتدخل رئيس المجلس قائلا .. أيها السادة الأفاضل سنؤجل هذا الإجتماع إلى موعد آخر سنحدده لكم فيما بعد على أن يوافيني السادة الأساتذة بمخططات تفصيلية عن عدد ساعات الدراسة الفعلية لكل كلية وليس عدد السنوات الهلامية التي نسمع عنها دون دراسات فعلية وحقيقية على أرض الواقع!!

عاد مدير شئون الطلبة ومعه رئيس الأساتذة الأوربيين إلى الكلية وقدما تقريرا لعميد الكلية بما جرى في الإجتماع .. وبعد أن قرأ العميد التقرير بعناية قال لهما .. معنى ذلك أن عاميين دراسيين عندنا يساويان فعليا خمس سنوات من أي كلية مصرية أخرى .. هنا تدخل رئيس الأساتذة الأوروبيين قائلا .. لهذا السبب فإننا في أوروبا لا نعترف إلا بعدد ساعات الدراسة الفعلية مع ملاحظة جودة كل العناصر التعليمية الأخرى مثل مدى كفاءة المدرس ومدى كفاءة المعامل ومساعدات التدريب والمكتبات ومدى إنضباط الطلبة ونسب الحضور والتغيب إلخ .. وهو ما تفتقر إليه الجامعات المصرية بشدة .. لذلك فإن خريج الجامعات المصرية غير معترف به في أوروبا وعليه إتمام دراسات تكميلية طويلة للحصول على شهادة معادلة في تخصصه!

إنتظم ماهر في محاضرات الدراسات العليا التي تمتد لمدة عام كامل يتفرغ فيها ماهر لإنجاز دراساته وأبحاثه في مجال تخصصه. لم يعتمد ماهر على دراساته في الكلية فقط بل كان يمضي ساعات طويلة في غرفته يطلع فيها على كافة المراجع المتاحة له .. وأحيانا كثيرة كان يسهر في معامل الكلية البالغة التطور ليجري كل البحوث العملية التي تخدم بحثه ودراسته.

فجأة .. في ذات يوم .. زاره عمه المستشار محسن مع زوجته في غرفته المتواضعة .. فرحب بهما .. وقال عمه .. لماذا امتنعت يا ماهر عن زيارتنا؟ قال ماهر .. أنا لم أمتنع ولكن ظروف دراستي هي التي منعتني من كثير من الواجبات الإجتماعية. قال عمه .. بلاش حجج واهية إحنا عرفنا السبب وهو أنك وزيزي تحبان بعضكما .. ولعلك تعلم أن زيزي قد فسخت خطبتها من أخوك حامد وباحت لنا صراحة بحبها لك .. وهي تريد أن تتزوجك .. وهي الآن في حالة نفسية سيئة للغاية. قال ماهر .. نعم علمت بأمر فسخ الخطوبة من أخي حامد عندما زرت أبي وأمي في أسيوط .. لكني لا أستطيع الزواج الآن من زيزي لأن تعاسة أخي الكبير ستقف دوما عائقا بيننا خاصة أن أخي حامد حلفني بالله ألا أتزوج زيزي وإلا سأخسره للأبد! قال عمه .. إن أخوك حامد شخص شديد الأنانية حتى يقف في طريق سعادة قلبين بريئين يحبان بعضهما .. قال ماهر .. قد يكون ذلك صحيحا ولكن أين كنتما عندما تقدم أخي لخطبة زيزي بسرعة واندفاع شديدين .. وأنا على ثقة بأنكما كنتما تعلمان أنني وزيزي نحب بعضنا البعض .. والنتيجة هي أن قلوبنا جميعا قد تحطمت نتيجة لموقف متسرع منكما؟ قال عمه هامسا .. معك حق يا بني .. ثم انصرفا. تزوجت زيزي بعد ذلك من أول شخص تقدم إليه وهو طبيب وسافرا إلى إحدى الدول العربية واستقرا هناك في غربة طويلة.

بعد أيام أحس ماهر بحنين لرؤية منى .. فسأل عنها وعرف أنها كانت دائمة السؤال عنه وأنها تحبه وتتمنى رؤيته .. فلم يجد ماهر من وسيلة إلا أن ذهب إلى صديق والده الأستاذ تقي الدين وطلب منه التوسط لدى الحاج رضوان ليقبل طلب ماهر بالزواج من إبنته منى .. وبالفعل قام الأستاذ تقي بهذه الوساطة إكراما لخاطر ماهر .. لكنه عاد بالرفض قائلا لماهر .. يا بني إصرف نظر عن هذا الزواج الغير متكافئ .. كما أنني علمت من أمها أن منى قد خطبت لشخص آخر وأنهما سيسافران للخارج.

شعر ماهر بأن قلبه يتحطم للمرة الثانية .. إلا أنه لم يبكي هذه المرة .. بل تكالب على دراساته وأبحاثه إلى أن شارف على الإنتهاء منها.

تقدم ماهر برسالته إلى رئيس قسمه .. الذي وعده بدراستها وتحديد موعدا لمناقشتها .. وعهد رئيس القسم برسالة ماهر إلى أحد الأساتذة الأوروبيين لفحصها وإبداء الراي العلمي بشأنها .. وكان هذا الأستاذ معروفا بجديته الشديدة وصرامته في فحص رسائل الدراسات العليا لدرجة أنه رفض خمس رسائل من الذين يسبقون ماهر في الدفعة .. وتسبب في طردهم من القسم الخاص .. لذلك كانوا يسمونه الأستاذ البلطة! إرتعد ماهر خوفا عندما علم أن رسالته أحيلت إلى ذلك الأستاذ الصارم.

بعد عدة أسابيع حدد رئيس القسم موعد مناقشة الرسالة لماهر وقال له أن عميد الكلية ولفيف من الأساتذة المصريين المرموقين سيحضرون المناقشة بصفة زوار وأن لجنة مناقشة الرسالة ستتكون من أربعة أساتذة أوروبيين وإثنان مصريين.

في الميعاد المقرر دخل ماهر إلى مكان اللجنة وقدم نفسه إلى رئيس لجنة المناقشة وإن كان يشعر بأن قلبه يكاد ينخلع من جوفه. كان أول المتحدثين هو الأستاذ البلطة ليقدم تقريره إما بقبول الرسالة للمناقشة أو رفضها من أساسها.

كانت المفاجأة التي أذهلت الجميع أن الأستاذ البلطة قال ما يلي:

أيها السادة .. في الفصل الثالث من رسالة الطالب ماهر قدم معادلة رياضية صحيحة ومذهلة لأول مرة في تاريخ هذا التخصص في العالم كله .. لم يكتفي ماهر بذلك بل قام بتحويل هذه المعادلة إلى لغة الكومبيوتر الأساسية وحولها إلى برنامج خاص استخرج بموجبه كل البيانات العملية المطلوبة مما أهله لتنفيذ بحثه بصورة عملية أثبتها في معامل الكلية البالغة التطور وصنع منها جهازا خاصا لا مثيل له في العالم كله .. وقد ناقشنا الأمر كله في إجتماع خاص مع أعضاء هيئة تدريس القسم وبحضور رئيس الأساتذة الأوروبيين .. واطلعنا على القرار الخاص بمجلس الكلية الذي يعطي الحق للطالب ماهر في إضافة عدد ساعات الدراسة عن السنة التي حرم فيها من أداء الإمتحانات النهائية .. واطمأنت اللجنة إلى ان الطالب ماهر قد حقق عدد من ساعات الدراسات العليا مقداره ما يزيد عن 3600 ساعة دراسية وهو أكثر كثيرا مما تحتاجه رسالتي الماجستير والدكتوراة مجتمعتين .. كما أنه قدم إضافة علمية جديدة في مجال تخصصه مما تؤهله بمفردها للحصول على درجة الدكتوراة .. لذا قررت اللجنة العلمية للقسم  منح الطالب ماهر حافظ درجة الدكتوراة في تخصصه بدرجة إمتياز .. وتم إخطار إدارة الكلية بذلك صباح اليوم.

صفق جميع الحضور بشدة لهذا القرار المفاجئ ما عدا عميد الكلية الذي انتفض واقفا والغضب الشديد باديا على وجهه وانصرف على عجل متوجها لمكتبه.

ما هي إلا دقائق حتى إستدعى عميد الكلية رئيس القسم إلى مكتبه وقال له .. من أعطاكم الحق في منح الطالب ماهر درجة الدكتوراة .. خاصة أن زملاؤه الذين يسبقونه بدفعة كاملة لم يحصلوا بعد على درجة الدكتوراة .. وأمامهم سنة كاملة على الأقل ليحصلوا عليها؟ قال رئيس القسم .. الذي أعطانا ذلك الحق هي اللوائح العلمية لدستور الكلية ولك الحق يا سيدي في أن تضطلع عليها وتتأكد من صحتها .. كما أن المسير العلمي للطالب ماهر موجود لديكم ومدون به جميع مراحل دراسته بالكلية ساعة بساعة وقد إطلعنا على نسخة منه!

قال عميد الكلية .. أنا أطلب منك سحب هذا القرار فورا .. قال رئيس القسم .. أنا لا أملك هذا الحق وعندك رئيس الأساتذة الأروربيون تستطيع أن تسأله ما تريد!

سكت عميد الكلية على مضض .. وبعد يومين إثنين صدر قرار من مجلس الكلية بنقل "الطالب" ماهر حافظ من أعضاء هيئة التدريس بالكلية إلى إحدى الشركات المتخصصة العاملة في جنوب صحراء البحر الأحمر .. وعلى "الطالب" ماهر حافظ تنفيذ هذ الأمر في خلال 48 ساعة وإلا تعرض للطرد من كافة نشاطات المؤسسة!

إختفى بعدها ماهر .. ولم يسمع عنه بعد ذلك!

 

مروة إسماعيل

16 مايو 2001م