خواطر                    Main

 

قصة قصيرة

الضربة

 

رحل فتحي وهو طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره مع أبيه إلى بلدة أخرى تلبية لدواعي عمل والده وسعيا وراء الرزق. وفي البلدة الجديدة وجد فتحي صعوبة بالغة في التعرف إلى أقرانه من الأطفال الذين هم في مثل عمره وأحس أنه غريب بينهم .. إلى أن حان وقت دخوله السنة الأولى من المدرسة الإبتدائية بعد أن أتم عامه الخامس. عندها بدأ فتحي يتحدث على إستحياء إلى زملائه ويلعب ويلهو معهم دون أن يشارك معهم عاداتهم الخاصة لميله الفطري إلى الإنطواء. وبعد شهور قليلة بدأ زملاؤه يشعرون بنبوغه في الدراسة وتفوقه في معظم الإختبارات والإمتحانات مما أثار إنتباه أساتذته ومدرسيه.

وفي يوم ذهب فتحي إلى مدرسته كالمعتاد .. وفي إحدى حصص الدراسة شعر فتحي أن المدرس .. وهو من غير أهل جلدته .. يرمقه بنظرات غريبة وغير مريحة. لم يهتم فتحي بذلك لصغر سنه وبرائته الفطرية وعدم فهمه لطبائع البشر. وبعد قليل إلتفت إليه زميله الجالس بجواره وهمس إليه طالبا منه أن يعطيه مسطرته كي يستعملها في إنهاء مسألة حسابية .. فناولها له فتحي مبتسما .. فما كان من المدرس إلا أن ناداه:

> إنت يا ولد

إلتفت فتحي حوله محاولا أن يعرف على من ينادي الأستاذ .. ولكن المدرس أشار إليه بإصبعه قائلا:

> إنت يا ولد

أدرك فتحي أنه المقصود بالنداء .. فرد على الفور .. أفندم يا أستاذ

> تعالى عندي هنا فورا .. قالها المدرس بعصبية شديدة وكان يلبس في يده خاتما كبيرا من الذهب الخالص وبه رأس ذهبية غليظة

ذهب فتحي إلى المدرس ووقف على بعد خطوة واحدة منه .. فقال المدرس:

> إقترب مني أكثر

وببرائة شديدة إقترب فتحي من المدرس حتى كاد أن يلاصقه .. وفجأة وبدون أي سابق إنذار أو حديث رفع المدرس يده إلى أعلى وهوى بها بكل قوته على رأ س فتحي الصغيرة فصدم الخاتم الغليظ وجه فتحي الرقيق تماما بين عينيه

خر فتحي إلى الأرض مغما عليه ولم يحاول أحدا الإقتراب منه خوفا من بطش الأستاذ .. وما هي إلا دقائق قليلة حتى إنتهت الحصة الدراسية فأمر المدرس التلاميذ بالإنصراف قائلا:

اتركوه حيث هو .. فبعد قليل سيفيق من نفسه

بعد وقت ليس بالقليل بدأ فتحي يفيق .. فقام ومشى ولكنه كان يترنح ويشعر بصداع بالغ الشدة في رأسه ويرى الأشياء متكررة أمامه بزغللة شديدة.

رجع فتحي إلى منزله ودخل غرفته وارتمى على سريره وهو يكاد أن يكون غائبا عن الوعي. بعد ساعات لاحظت والدته أنه لم يطلب منها أن يأكل كعادته عندما يعود إلى المنزل .. فدخلت غرفته ولاحظت أنه ينام على سريره بصورة غير عادية وأن رأسه متورمة بشدة .. فاقتربت منه وحاولت إيقاظه وقالت له:

مالك يا فتحي .. حاسس بإيه .. وإيه اللي في دماغك ده؟

قال فتحي بإعياء شديد: أنا عيان أوي يا ماما .. دماغي بتوجعني أوي .. الأستاذ ضربني

قالت الأم: تستاهل .. لازمت عملت حاجة وحشة عشان كده ضربك

قال الطفل المسكين: أبدا يا ماما معملتش حاجة خالص .. بس دماغي بتوجعني أوي

قالت الأم: طب نام شوية ولما تصحى حتبقى كويس

نام فتحي المسكين حتى الصباح .. وأيقظته أمه كي يذهب إلى المدرسة .. إرتعد فتحي وارتعش جسمه عندما سمع كلمة المدرسة وقال لأمه:

أنا مش عايز أروح المدرسة .. عشان خاطري يا ماما

حاولت الأم الملهوفة على إبنها إقناعه بضرورة ذهابه إلى المدرسة دون جدوى فاضطرت إلى إستدعاء أبيه الذي كان يتأهب للذهاب لعمله .. فدخل الأب غاضبا وقال لإبنه

قوم يا ولد وروح المدرسة حالا 

قال فتحي المسكين: لا يا بابا أنا مش عايز أروح المدرسة .. الأستاذ بيضربني .. وأنا عيان خالص ومش شايف كويس

قال الأب: لأ .. لازم تروح المدرسة وحديلك جواب تسلمه للناظر علشان المدرس ما يضربكش تاني.

ذهب فتحي للمدرسة وهو يترنح من الإعياء والدوار .. واتجه فورا لغرفة الناظر الذي قابله بعد قليل من الإنتظار قائلا:

> ماذا تريد؟

قال له فتحي بصوت خافت وببراءة شديده : بابا بيسلم عليك وباعتلك الجواب ده وبيقولك ما تخليش الأستاذ يضربني.

نظر الناظر إلى خطاب الأب نظرة سريعة واحمر وجهه .. ثم نادى على الساعي وقال له .. أعبط هذا الولد واقلبه .. فاندفع الساعي كالوحش الهائج وأمسك بفتحي وقلبه بحيث أصبحت قدمي فتحي النحيلتين إلى أعلى .. ثم انهال الناظر على فتحي المسكين ضربا بخرزانة رفيعة وبصورة وحشية وهمجية.

أغمى على فتحي مرة أخرى .. وعندما أفاق وجد نفسه في بيته ولكنه كان فاقد الروح وفاقد الإحساس .. لا يقوى على الكلام و لا يعرف كيف عاد من مدرسته.

مرت الأيام على فتحي بعد ذلك بطيئة وكريهة لا يكلم أحدا ولا يلعب مع أحد .. حاول الإنتحار لكنه لم يفلح .. وكان كل ما يشعر به هو صداع مستديم يفتك برأسه وزغللة في نظره .. واستمر على هذا الحال في عذاب مستمر حوالي ثماني سنوات كاملة قبل أن يشعر ببعض التحسن التدريجي.

ولم يدرك والدا فتحي أنه أصيب بارتجاج شديد في المخ نتيجة لتلك الضربة المشؤمة التي ضربها له المدرس الحاقد الهجام

 

مروة إسماعيل

5 نوفمبر 2002م